الغزالي

6

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

اللّه أن يرزقه ابنا واعظا ، ويجعله فقيها ، فاستجاب اللّه دعوتيه ، أما أبو حامد فكان أفقه أقرانه وإمام أهل زمانه ، وأما أحمد أخيه فكان واعظا ، تلين الصم الصخور عند استماع تخديره ، وترتعد فرائص الحاضرين في مجالس تذكيره . وكان الغزالي ( رضي اللّه عنه ) شديد الذكاء ، سديد النظر ، عجيب الفطرة ، قوي الحافظة ، بعيد العثور ، غواصا على المعاني ، مناظرا محجاجا . ولما مات إمام الحرمين أبي المعالي الجويني خرج الغزالي قاصدا الوزير : « نظام الملك » . وكان مجلسه مجمع أهل العلم ، مناظر الأئمة العلماء في مجلسه ، وظهر كلامه عليهم ، واعترفوا بفضله ، وتلقاه الصاحب بالتعظيم والتبجيل ، وولاه تدريس مدرسته « النظامية » ببغداد فقدمها وأعجب الناس حسن كلامه ، وكمال فضله ، وفصاحة لسانه ، ونكته الدقيقة ، وإشاراته اللطيفة ، وأحبوه . وأقام على تدريس العلم ونشره بالتعليم والفتيا والتصنيف مدة ، زائد الحشمة عالي الرتبة ، مسموع الكلمة ، مشهور الاسم ، تضرب به الأمثال ، وتشد إليه الرحال ، حتى شرفت نفسه عن كل جاه ، وترك ذلك كله وراء ظهره ورحل إلى بيت اللّه الحرام في مكة المكرمة ، فخرج إلى الحج في ذي الحجة سنة 488 ه واستناب أخاه في التدريس ببغداد . ودخل دمشق بعد عودته من الحج في سنة 489 ه فلبث فيها أياما يسيرة ، ثم توجه إلى بيت المقدس ، فجاور به مدة ، ثم عاد إلى دمشق ، واعتكف بالمنارة الغربية من الجامع ، وبها كانت إقامته . وقد صادف دخوله يوما المدرسة الأمنية فوجد المدرس يقول : قال الغزالي وهو يدرس كلامه فخشي على نفسه العجب ففارق دمشق ، وأخذ يجول في البلاد ، فدخل مصر ، وتوجه إلى الإسكندرية ، فأمضى بها مدة ، وقيل إنه عزم على المضي إلى السلطان يوسف بن تاشفين سلطان المغرب لما بلغه من عدله ، فبلغه موته ، واستمر يجول في البلدان حتى عاد إلى مدرسة للقضاء ، وخانقاه للصوفية ووزع أوقاته على وظائف من ختم القرآن ، ومجالسة أرباب القلوب ، والتدريس لطلبة العلم ، وإدامة الصلاة والقيام وسائر العبادات إلى أن انتقل إلى رحمته تعالى .